الأخبارمقاصد الشريعة الإسلامية

مقاصد إلهية

إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرم بني آدم غاية التكريم، وفضلهم على سائر المخلوقات، وسخر لهم ما في الأرض وما في السماوات، وجعلهم خلفاءه في الأرض، وفوق كل ذلك فإن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثًا، ولم يتركه سُدًى، وإنما أرسل له الرسل والأنبياء، وأنزل عليهم الكتب والشرائع، إلى أن ختم الله الرسل والأنبياء بسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وختم الكتب والشرائع بالقرآن العظيم وشريعة الإسلام، وتهدف هذه الشريعة إلى تحقيق السعادة للإنسان في هذه الدنيا لتحقيق خلافة الله في أرضه، فجاءت الشريعة لتأمين مصالح الإنسان، وهي جلب المنافع له، ودفع المضار عنه فترشده إلى الخير، وتهديه سواء السبيل، وتدله على البر، وتأخذ بيده إلى الهدى الْقَوِيم، وتكشف له المصالح الحقيقية، ثم وضعت له الأحكام الشرعية لتكون له هاديًا ودليلاً لتحقيق هذه المقاصد والغايات، وأنزلت عليه الأصول والفروع لإيجاد هذه الأهداف، ثم لحفظها وصيانتها وتأمينها وعدم الاعتداء عليها.
وحدد العلماء مقاصد الشريعة بأنها تحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة، في العاجل والآجل، ومصالح الناس في الدنيا هي كل ما فيه نفعهم وفائدتهم وصلاحهم وسعادتهم وراحتهم، وكل ما يساعدهم على تجنب الأذى والضرر ودفع الفساد، إن عاجلاً أو آجلاً، ومصالح الناس في الآخرة هي الفوز برضاء الله تعالى والجنة، والنجاة من عذابه وغضبه والنار، وقد وردت الأحكام الشرعية لجلب المصالح للناس، ودفع المفاسد عنهم.
هذا وإن كل حكم شرعي إنما نزل لتأمين أحد المصالح أو دفع أحد المفاسد، أو لتحقيق الأمرين معًا، وما من مصلحة في الدنيا والآخرة إلا وقد رعاها المشرع، وأوجد لها الأحكام التي تكفل إيجادها والحفاظ عليها، ويجب التنويه إلى أن المشرع الحكيم لم يترك مفسدة في الدنيا والآخرة، في العاجل والآجل إلا بيَّنها للناس وحذرهم منها، وأرشدهم إلى اجتنابها والبعد عنها.
والدليل على ذلك الاستقراء الكامل للنصوص الشرعية من جهة، ولمصالح الناس من جهة ثانية، وأن الله تعالى لا يفعل الأشياء عبثًا في الخلق والإيجاد والتهذيب والتشريع، وأن النصوص الشرعية في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات المالية والعقوبات وغيرها جاءت معللة بأنها لتحقيق المصالح ودفع المفاسد .
فالعقيدة بمختلف أصولها وفروعها إنما جاءت لرعاية مصالح الإنسان في هدايته إلى الدين الحق، والإيمان الصحيح، مع تكريمه والسمو به عن مزالق الضلال والانحراف، وإنقاذه من العقائد الباطلة والأهواء المختلفة والشهوات الحيوانية، فجاءت أحكام العقيدة لترسيخ الإيمان بالله تعالى واجتناب الطاغوت؛ ليسمو الإنسان بعقيدته وإيمانه، وينجو من الوقوع في شِرْك الوثنية، وتَأْلِيهِ المخلوقات من بَقَرٍ وقُرُودٍ، وشَمْسٍ وقَمَرٍ، ونجومٍ وشياطين، وغير ذلك.
قال تعالى: )فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا( [البقرة: 256] وقال تعالى: )وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ( [الزمر: 17 ـ 18] وقال تعالى مبينًا الحكمة والغاية من خلق الإنسان: )وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا( [هود: 7] وقال تعالى )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ( [الذاريات: 56 ـ 57] والعبادة هنا بمعناها العام الشامل لكل عمل قُصِدَ به وجُهُ الله تعالى.
وبَيَّنَ تعالى أن الحكمة والغاية والهدف من ابتعاث الرسل هي تحقيق هذه المصلحة الكبرى للإنسان في عبادة الله واجتناب الطاغوت في الدنيا، والفوز برضاء الله في الجنة، وأن لا يبقى للإنسان حجة على الله تعالى بكفره وضلاله وانحرافه، قال تعالى )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ( [النحل: 36]، وقال تعالى )رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ( [النساء: 165].
وصرح القرآن الكريم بالحكمة والمصلحة في بعثة محمد – صلى الله عليه وسلم – خاصة، فقال تعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( [الأنبياء: 107]، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة وصريحة.
وبين تعالى أن الغاية والهدف من إنزال الكتب هي تحقيق مصالح الناس، بتحقيق السعادة لهم في الدنيا، والفوز والنجاة في الآخرة لإخراجهم من الظلمات إلى النور، فقال تعالى: )كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ( [إبراهيم: 2] وجمع الله تعالى في آية واحدة الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب، ليقوم الناس بالقسط والعدل والاستقامة، فقال تعالى: )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ( [الحديد: 25]، ثم بيّن الله تعالى وظيفة القرآن بشكل عام وشامل، فقال تعالى: )إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا( [الإسراء: 9 ـ 10]، وغير ذلك من بقية فروع العقيدة والإيمان.
وفي مجال العبادات وردت نصوص كثيرة تبين أن الحكمة والغاية من العبادات إنما هي تحقيق مصلحة الإنسان، وأن الله تعالى غَنِيٌّ عن العبادة والطاعة، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فقال عز وجل عن الهدف من العبادة عامة: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة: 21]، فالقصد من العبادة التزود بالتقوى للإنسان، وهو ما جاء مفصَّلاً في كل عبادة من العبادات؛ ففي الصوم قال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة: 183].
وفي الحج قال تعالى )الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ( [البقرة: 197]، فالحج دورة تدريبية وتربوية للمسلم في التعود على الفضائل والأخلاق الكريمة، والبعد عن الفساد والرذائل، فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل، وإنما يجب عليه التزود بالتقوى في مناسك الحج.
وقال تعالى عن الزكاة: )خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا( [التوبة: 103]، فالزكاة تزكية للمسلم وتطهير له، لتعود الفائدة الخالصة للْمُزَكِّي.
وقال تعالى عن الصلاة: )وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ( [العنكبوت: 45] وأكد ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعْدًا” رواه الطبراني عن ابن عباس بإسناد ضعيف، ورواه علي بن معبد من حديث الحسن مرسلاً بإسناد صحيح [انظر: فيض القدير 6/621].
وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن الله تعالى: «يا عبادي، لو أن أوَّلكم وآخركم وإنْسَكُمْ وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئًا» رواه مسلم والحاكم وابن حبان وأبو عوانة عن أبي ذر مرفوعًا. [انظر: الاتحافات السنية في الأحاديث القدسية ص41].
– وفي المعاملات بيَّن تعالى الهدف والحكمة منها، وأنها لتحقيق مصالح الناس بجلب المنافع لهم ودفع المفاسد والأضرار والمشاق عنهم، وإزالة الفساد والغش وغيره من معاملاتهم، قال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ…( ثم قال تعالى )وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ…( إلى قوله تعالى محددًا الهدف والغاية من ذلك )ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا( [البقرة: 282]، وقال تعالى في النهي عن أكل المال بالباطل، وأنه ظلم وإثم وطغيان ومفسدة: )وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( [البقرة: 187].
وبيَّن تعالى الحكمة والهدف والمقصد من تحريم الخمر، فقال تعالى: )إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ( [المائدة: 91] وبيَّن عز وجل الحكمة والغاية من مشروعية القصاص وأنها لتأمين الحياة البشرية، وحفظ النفس والأرواح، فقال تعالى: )وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة: 179]، وأكد ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “حدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يُمطَروا أربعين صباحًا” رواه النسائي وابن ماجة عن أبي هريرة مرفوعًا. [انظر سنن النسائي 8/68، سنن النسائي 2/848] .
وبيَّن تعالى أنه لا يهدف من التكليف الإرهاق، بل الهدف من الأحكام رفع الحرج والمشقة عن الناس، فقال تعالى: )لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا( [البقرة: 286]، وقال تعالى: )ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا( [البقرة: 282].
وهكذا يثبت قطعًا أن الله تعالى شرع الأحكام لمقاصد، وأن المقاصد منها كلية، ومنها جزئية، وأن العلماء بَيَّنُوا طُرُق معرفة المقاصد الكلية والجزئية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق